عادل عبد الرحمن البدري

37

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

ثم دفع الرقعة إليّ ، فوالله ما ختمها بطين ولا خزنها ، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنّا معزولًا « 1 » . نجد هنا سلطة الأمّة ، أو السيادة الشعبية ، قد مورست بشكل واضح وجلي يعكس ملامح هذه التجربة السياسية الرائدة التي سبقت الفكر الليبرالي السياسي الحديث . وقد بلغت سلطة المواطن في حكومة علي ( ع ) درجة لا يمكن تصوّرها فروي أنّ الأشعث بن قيس دخل على رئيسه علي ( ع ) فكلّمه ، فأغلظ عليّ ( ع ) له ، فعرّض الأشعث أنّه سيفتك به ، فقال عليّ ( ع ) : أبالموت تخوّفني أو تهددني ؟ فوالله ما أبالي وقعت على الموت أو وقع الموت عليّ « 2 » . أليس هذا بعجب عجاب أن يدخل مواطن على رئيس الدولة في معقل حكومته ويهدده ، فما كان من الرئيس هنا بدل أن يسجنه أو ينفيه ؟ وإذا به يعرض عليه جلادته وصبره واستعداده للقتل والتضحية من أجل مبادئه ، وكأنّه مواطن مثله بنفس درجته وطبقته ، وتركه يخرج حرّاً طليقاً لم يمسسه بسوء من حرسه وخاصّته ( ع ) الذين كانوا موكّلين بحفظه وحمايته . ويبدو أن عليّاً ( ع ) كان يعاني من امتداد سلطة المواطن إلى حدّ مضايقته ( ع ) ، فأباح هذا السرّ بقوله ( ع ) : ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيّتي « 3 » . وتتضح صورة المعاناة والحيف الذي لحق بحاكم عادل يمارس وظيفة سماوية كبيرة أطلق العنان فيها لشعبه ، كما في رواية الشريف الرضي . حين نقل لنا هذه الصورة بالقول : لمّا بلغ عليّاً ( ع ) غارة أصحاب معاوية على الأنبار خرج بنفسه ماشياً حتّى أتى النخيلة فأدركه الناس وقالوا : يا أمير المؤمنين : نحن نكفيكهم ، فقال ( ع ) : ما تكفونني أنفسكم ، فكيف تكفونني غيركم ؟ إنّ كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف

--> ( 1 ) بحار الأنوار 119 : 41 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 117 : 6 . ( 3 ) نهج البلاغة ص 141 ضمن خطبة 97 .